غربة.....
على حبال الحب نشرت طمأنينة وألفة ومودة... هذه كم أحبها اشتريتها لحسام احتفالا بتخرجه في الجامعةالتي كانت أسمى وأغلى أحلامنا ...
أراه الآن وهو يركض وهو معبأ بالأمل من دائرة إلى أخرى لجمع الأوراق اللازمة طمعا بتحقيق حلمه بإكمال دراسته في الخارج
أما تلك التي يتمايل الريح بها يمنة ويسرة لحبيبتي ابنتي الغالية فقد كانت شعلة فرح تحب الضحك كثيرا واللعب والمزاح مع إخوتها، وأنا احتفظت بقميصها الأبيض المنقط بحبات تشبه اللؤلؤ ذكرى جميلة يوم كانت تشرب عصير الفراولة وحين كان يحكي أخوها نكتة لطيفة ضحكت واهتزت بحب فانسكب كل ما بكأسها من عصير على حضنها ودخلنا كلنا في ضحكة امتدت بعيدا ووصلت الضحكة حتى فم جارتنا أم محمد التي شاركتنا الضحك من بلكونة بيتها دون أن تعرف السبب...
وما إن تناولت قطعة أخرى من الملابس المعتقة برائحة الزمن الجميل حتى دخلت بغيبوبة من البكاء...كنت كالطفل الذي يكسر لعبته ثم يبكي عليها.... وقفت بكل زاوية استرجع كل ما كان يحدث
لم أشتق لتلك الأوقات وحدها وإنما اشتقت لأنفسنا... اشتقت لابتسامة طفلي التي كانت بلسما لي حين تضيق بنا الحياة..... صغاري يكبرون... وتصغر قطع ملابسهم حتى تكاد تختفي من حبال الأيام... أكثر من 25 سنة وأنا أقضي معظم يومي ما بين غسيل ونشر وترتيب، وكي لملابسهم التي تصطف في الخزانة كما تصطف السيارات المصادرة في مواقف الحجز.
واليوم أرى سلتي تكاد تكون فارغة... لم يبق بها إلا هذه الذكريات ... . لم أحاول يوما ان أجرح أحدهم أو أصفعه فذاكرة الصغار لا تنسى.......أياماً رائعة نابضة بالحب... مهما واجهتنا أيام قاحلة تشبه صحراء بلادنا لكننا بالحب أحلناها بساتين خضراء...
في الخزانة الآن لكل واحد منهم قطعة من ملابسه أغسلها بين الحين والحين ثم أكويها وأطويها وأضعها في موقفها مصفها ، وما زال إلى جانب كل سرير خف صوفي وعلى رأسه وسادة مغطاة بالرسوم والقبلات ومنقوش على كل وسادة عبارة اختاروها هم وطرزتها بكل حب وعناية. حسام اختار أن نطرز على وسادته عبارة " أحلام جميلة"،وها هي أحلامه تسرقه منا فتأخذه إلى مكان لم يخطر على بالي يوما أنه سيصبح عالمه الجديد. وسارة اختارت عبارة "ليلة هادئة" ولكنها تعاني من حياة صعبة وحياة هائجة كموج البحر ومشكلات لا تنتهي مع زوجها وعائلته! كم تمنيت لو أن ليلها يهدأ كما أرادت ورغبت... وخالد وسلمى اختارا العبارة نفسها "بابا وماما بينهما قلب حب... ياااه كم أثارت بقلبي هذه العبارة حنينا واشتياقا لهم.... كل ما في المكان يذكرني بطفولة طاغية كانت تحتل بيتنا وجدرانه وزواياه وأشجاره والزمان...إبتساماتهم العذراء كانت لا تعرف الحقد والحسد ولا التذمر
أشتاق كثيرا إليهم بعد أن فرقتهم الحياة فركضوا خلف أحلامهم فاختلفت وأبعدت المسافات أحدهم إلى أميركا حلم عمره الذي سعى جاهدا لتحقيقه .كان يعشق الإبتعاد وإلاغتراب كان ينام ويصحو على هذا الحلم... وأما الآخر فأخذته أرزاقه إلى بلاد الخليج فقد أصابه الإحباط حين لم يجد له فرصة عمل للعيش بكرامة في بلده وسط أحبته.....وصغيرنا الحبيب ظل يسعى خلف الاغتراب.
انا لا أفهم لم يحبون الإبتعاد ويتوقون لمعرفة العالم المجهول .... لكنني لا أستطيع الوقوف ضدا لأحلامهم لا أستطيع إلا أن أكون سندا لهم.... سافروا جميعا وبقيت أنا .... وأشياؤهم وضحكاتهم وألعابهم...
وتقاسمناهم أنا والغربة قسمة غير عادلة... أخذت الغربة أحد عشر شهراً، وأعطتني شهراً ولا أعرف كيف يبدأ ولا كيف يمضي ولا كيف ينتهي.... لا أرى إلا أكياس الزعتر والميرمية والقهوة والجميد وكل ما يذكرهم بخيرات بلادهم تملأ حقائبهم وهم يلفونها ويحشرونها في حقائبهم ليعاودوا إلى بحر الغربة من جديد
#سهيرالرمحي
على حبال الحب نشرت طمأنينة وألفة ومودة... هذه كم أحبها اشتريتها لحسام احتفالا بتخرجه في الجامعةالتي كانت أسمى وأغلى أحلامنا ...
أراه الآن وهو يركض وهو معبأ بالأمل من دائرة إلى أخرى لجمع الأوراق اللازمة طمعا بتحقيق حلمه بإكمال دراسته في الخارج
أما تلك التي يتمايل الريح بها يمنة ويسرة لحبيبتي ابنتي الغالية فقد كانت شعلة فرح تحب الضحك كثيرا واللعب والمزاح مع إخوتها، وأنا احتفظت بقميصها الأبيض المنقط بحبات تشبه اللؤلؤ ذكرى جميلة يوم كانت تشرب عصير الفراولة وحين كان يحكي أخوها نكتة لطيفة ضحكت واهتزت بحب فانسكب كل ما بكأسها من عصير على حضنها ودخلنا كلنا في ضحكة امتدت بعيدا ووصلت الضحكة حتى فم جارتنا أم محمد التي شاركتنا الضحك من بلكونة بيتها دون أن تعرف السبب...
وما إن تناولت قطعة أخرى من الملابس المعتقة برائحة الزمن الجميل حتى دخلت بغيبوبة من البكاء...كنت كالطفل الذي يكسر لعبته ثم يبكي عليها.... وقفت بكل زاوية استرجع كل ما كان يحدث
لم أشتق لتلك الأوقات وحدها وإنما اشتقت لأنفسنا... اشتقت لابتسامة طفلي التي كانت بلسما لي حين تضيق بنا الحياة..... صغاري يكبرون... وتصغر قطع ملابسهم حتى تكاد تختفي من حبال الأيام... أكثر من 25 سنة وأنا أقضي معظم يومي ما بين غسيل ونشر وترتيب، وكي لملابسهم التي تصطف في الخزانة كما تصطف السيارات المصادرة في مواقف الحجز.
واليوم أرى سلتي تكاد تكون فارغة... لم يبق بها إلا هذه الذكريات ... . لم أحاول يوما ان أجرح أحدهم أو أصفعه فذاكرة الصغار لا تنسى.......أياماً رائعة نابضة بالحب... مهما واجهتنا أيام قاحلة تشبه صحراء بلادنا لكننا بالحب أحلناها بساتين خضراء...
في الخزانة الآن لكل واحد منهم قطعة من ملابسه أغسلها بين الحين والحين ثم أكويها وأطويها وأضعها في موقفها مصفها ، وما زال إلى جانب كل سرير خف صوفي وعلى رأسه وسادة مغطاة بالرسوم والقبلات ومنقوش على كل وسادة عبارة اختاروها هم وطرزتها بكل حب وعناية. حسام اختار أن نطرز على وسادته عبارة " أحلام جميلة"،وها هي أحلامه تسرقه منا فتأخذه إلى مكان لم يخطر على بالي يوما أنه سيصبح عالمه الجديد. وسارة اختارت عبارة "ليلة هادئة" ولكنها تعاني من حياة صعبة وحياة هائجة كموج البحر ومشكلات لا تنتهي مع زوجها وعائلته! كم تمنيت لو أن ليلها يهدأ كما أرادت ورغبت... وخالد وسلمى اختارا العبارة نفسها "بابا وماما بينهما قلب حب... ياااه كم أثارت بقلبي هذه العبارة حنينا واشتياقا لهم.... كل ما في المكان يذكرني بطفولة طاغية كانت تحتل بيتنا وجدرانه وزواياه وأشجاره والزمان...إبتساماتهم العذراء كانت لا تعرف الحقد والحسد ولا التذمر
أشتاق كثيرا إليهم بعد أن فرقتهم الحياة فركضوا خلف أحلامهم فاختلفت وأبعدت المسافات أحدهم إلى أميركا حلم عمره الذي سعى جاهدا لتحقيقه .كان يعشق الإبتعاد وإلاغتراب كان ينام ويصحو على هذا الحلم... وأما الآخر فأخذته أرزاقه إلى بلاد الخليج فقد أصابه الإحباط حين لم يجد له فرصة عمل للعيش بكرامة في بلده وسط أحبته.....وصغيرنا الحبيب ظل يسعى خلف الاغتراب.
انا لا أفهم لم يحبون الإبتعاد ويتوقون لمعرفة العالم المجهول .... لكنني لا أستطيع الوقوف ضدا لأحلامهم لا أستطيع إلا أن أكون سندا لهم.... سافروا جميعا وبقيت أنا .... وأشياؤهم وضحكاتهم وألعابهم...
وتقاسمناهم أنا والغربة قسمة غير عادلة... أخذت الغربة أحد عشر شهراً، وأعطتني شهراً ولا أعرف كيف يبدأ ولا كيف يمضي ولا كيف ينتهي.... لا أرى إلا أكياس الزعتر والميرمية والقهوة والجميد وكل ما يذكرهم بخيرات بلادهم تملأ حقائبهم وهم يلفونها ويحشرونها في حقائبهم ليعاودوا إلى بحر الغربة من جديد
#سهيرالرمحي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق